سيد محمد طنطاوي

154

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

صدقه كما يعرفون أبناءهم . والباء في قوله - تعالى - : * ( بِعَهْدِ اللَّه ) * داخلة على المتروك الذي تركوه وأخذوا في مقابله الثمن القليل . وقوله * ( وأَيْمانِهِمْ ) * معطوف على عهد اللَّه . والمراد بأيمانهم تلك : الأيمان الكاذبة التي يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال . والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة ، التي أخذوها نظير تركهم لعهود اللَّه ، وحلفهم الكاذب . وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عهود اللَّه تحقيرا له ، إذ أنه لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا اللَّه والوفاء بعهوده . وقوله * ( أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ) * أي الذين يخونون عهد اللَّه ويحلفون الأيمان الكاذبة في مقابل عرض من أعراض الدنيا ، لا نصيب لهم ولاحظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء . وقوله * ( ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه ) * أي لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة . أو أن عدم كلام اللَّه - تعالى - لهم : كناية عن عدم محبته لهم ، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه ، أما المبغض لشيء ، فإنه ينصرف عنه . وإلى هذا المعنى ذهب الإمام الرازي فقد قال ما ملخصه : « وقوله - تعالى - * ( ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّه ) * فيه سؤال وهو أنه - تعالى - قال : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ فكيف الجمع بين الآية التي معنا وبين قوله لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ والجواب : أن المقصود من كل هذه الكلمات : بيان شدة سخط اللَّه عليهم ، لأن من منع غيره كلامه ، فإنما ذلك بسخط عليه ، وإذا سخط إنسان على آخر قال له : لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول : لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل ، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب نعوذ باللَّه منه . وهذا هو الجواب الصحيح » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 11 .